فخر الدين الرازي
279
تفسير الرازي
يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِى انتِقَامٍ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر وعيد الكاذبين والمكذبين للصادقين ذكر عقيبه وعد الصادقين ووعد المصدقين ، ليكون الوعد مقروناً بالوعيد ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) * تقديره : والذي جاء بالصدق والذي صدق به ، وفيه قولان الأول : أن المراد شخص واحد فالذي جاء بالصدق محمد ، والذي صدق به هو أبو بكر ، وهذا القول مروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام وجماعة من المفسرين رضي الله عنهم والثاني : أن المراد منه كل من جاء بالصدق ، فالذي جاء بالصدق الأنبياء ، والذي صدق به الأتباع ، واحتج القائلون بهذا القول بأن الذي جاء بالصدق جماعة وإلا لم يجز أن يقال : * ( أولئك هم المتقون ) * . المسألة الثانية : أن الرسالة لا تتم إلا بأركان أربعة : المرسل والمرسل والرسالة والمرسل إليه ، والمقصود من الإرسال إقدام المرسل إليه على القبول والتصديق ، فأول شخص أتى بالتصديق هو الذي يتم به الإرسال ، وسمعت بعض القاصين من الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " دعوا أبا بكر فإنه من تتمة النبوة " . واعلم أنا سواء قلنا المراد بالذي صدق به شخص معين ، أو قلنا المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة ، فإن أبا بكر داخل فيه " . أما على التقدير الأول : فدخول أبي بكر فيه ظاهر ، وذلك لأن هذا يتناول أسبق الناس إلى التصديق ، وأجمعوا على أن الأسبق الأفضل إما أبو بكر وإما علي ، وحمل هذا اللفظ على أبي بكر أولى ، لأن علياً عليه السلام كان وقت البعثة صغيراً ، فكان كالولد الصغير الذي يكون في البيت ، ومعلوم أن إقدامه على التصديق لا يفيد مزيد قوة وشوكة . أما أبو بكر فإنه كان رجلاً كبيراً في السن كبيراً في المنصب ، فإقدامه على التصديق يفيد مزيد قوة وشوكة في الإسلام ، فكان حمل هذا اللفظ إلى أبي بكر أولى . وأما على التقدير الثاني : فهو أن يكون المراد كل من كان موصوفاً بهذه الصفة ، وعلى هذا التقدير يكون أبو بكر داخلاً فيه . المسألة الثالثة : قال صاحب " الكشاف " قرىء وصدق بالتخفيف أي صدق به الناس ، ولم